هل تتذكر السودان؟ نحو بناء ثقافة بصرية سودانية - ارمنية

تمت كتابة هذا المقال ونشره في الأصل باللغتين الإنجليزية والعربية في مجلة «The Muse Magazine Issue 03: On Borders & Intersections»، وهي مجلة سنوية تصدر عن The Muse Multi Studios. وقد أُعيد نشره هنا بإذن منهم. يمكنكم شراء نسخة من المجلة ودعم عملهم عبر الرابط هنا، كما يمكنكم متابعتهم على وسائل التواصل الاجتماعي هنا

Description: A ceremony for the laying of the foundation stone of the Armenian Church of Khartoum in 1954
Location: Khartoum, Sudan
Source: sudanahye archive via private collection

Description: An email from a Sudanese-Armenian
Location: NA
Source: Vahe Boghosian 2026

هناك مجموعة على فيسبوك تُدعى"هل تتذكّر السودان؟". ينشر أعضاؤها صورًا قديمة من السودان تعود لعقود مضت، ثم ينهال التعليق من نحو عشرة آلاف عضو، يتذكّرون الأماكن الظاهرة في الصور، أو يستعيدون لحظة عاشوها هناك، أو يكتفون بالتعليق: "كانت أيامًا جميلة." تضم المجموعة أفرادًا من المجتمعات الأجنبية التي عاشت في السودان سابقًا ومن بينهم الأرمن السودانيون وقد أصبحت على نحو غير متوقع مصدرًا ثمينًا لمشروع "سوداناهيي" مشروع الأرشفة الذي يعمل على بناء أرشيف شامل لحياة الأرمن في السودان ودراستها بمنهجية متكاملة.

صحيح أن مجموعات فيسبوك ليست مصدرًا تقليديًا للبحث؛ إلا أن ندرة المصادر التاريخية وصعوبة الوصول إلى الأراشيف في السودان يجعل من هذه المنصات مصدرًا مهمًا لتوسيع أرشيفنا وسدّ ثغرات معرفتنا من خلال مساهمات المجتمع. وبينما نتجوّل في هذه الصفحة، يهيمن شعور واحد على كل صورة وكل تعليق: الحنين.

الحنين شعور بصري بامتياز؛ صورة قديمة تكفي لاستدعاء ذاكرة كاملة، وحكاية تُروى قد تفتح أمامنا مشهدًا كاملًا لما كان. يتكرّر في المجموعة تعليق يشبه: "مذهل كيف تعيد صورة واحدة كل هذه الذكريات." لقد تغيّر معنى "البصري" جذريًا خلال الخمسين عامًا الماضية، إذ خلقت التكنولوجيا عالمًا تتدفّق فيه الصور بلا حدود، عالمًا تحدّده العدسة أكثر من أي وقت مضى. عالم تُبنى فيه الهويّات: الشخصية، والشركات، وحتى الدولية على الثقافة البصرية. فكيف سيبدو حال المجموعة بعد خمسين عامًا أخرى ونحن نعيش في فيض غير مسبوق من الصور والفيديوهات؟ وكيف سيتشكّل حنيننا حينها؟

أحد أهداف سوداناهيي هو إعادة تخيّل المجتمع الأرمني السوداني في سياق اجتماعي وثقافي معاصر. هذه المجموعة تستعيد الماضي، بينما نسعى نحن لإغنائه بالمعرفة. لكن الجيل الذي يصنع مستقبل هذا المجتمع ليس هو الجيل الذي يتبادل الذكريات على فيسبوك. وللانتقال من تمثيل ساكن للماضي إلى تخيّل ديناميكي للمجتمع، تخيّل يعكس السودان كمضيف تعددي للجاليات، يصبح من الضروري بناء ثقافة بصرية لهذا المجتمع.

لكن الأرمن في السودان لم يكونوا فنّانين ولا حرفيين؛ معظمهم جاءوا بحثًا عن الأمان والانتماء بعد أن دمّرت الدولة العثمانية وطنهم الأصلي في إبادة الأرمن. ومع ذلك استطاعوا شقّ طريقهم داخل الهرمية الاستعمارية ليحتلّوا موقعًا متميزًا داخل الطبقة الكوزموبوليتية العليا في الخرطوم، وحافظوا على وجودهم كمجتمع حتى عام 2023 رغم تقلّص أعدادهم. ومع أنهم لم يخلّفوا إنتاجًا فنيًا كبيرًا، إلا أن ما نفتقده من فنّ نجد مكانه في الحنين—ذلك الشعور الجوهري في حياة كل جماعة مهاجرة.

عاطفة المغتربين

الأرشفة وسيلة لحفظ الذاكرة، وتحليل الأرشيف وسيلة لكتابة التاريخ. والحنين بالنسبة لـ«سودانهاي» في قلب هذا العمل: هل نستطيع بناء ثقافة بصرية من صورٍ تعيش أساسًا في الذاكرة؟

Description: ‘Hayahumar Yegipdos yev Sudan’ 1939 (Directory Egypt and Sudan 1939)
Location: Cairo, Egypt
Source: From the archive of Souren Bairamian

تعود كلمة (nostalgia) إلى الإغريقية: نوستوس (الرغبة في العودة إلى الوطن) وألغوس (الألم). صاغ يوهانس هوفر المصطلح عام 1688 لوصف شعور الاغتراب والحنين المؤلم للوطن؛ كان يُعتبر اضطرابًا عصبيًا أقرب إلى "داء الغربة"، وفي القرنين الثامن عشر والتاسع عشر تحوّل المعنى إلى "حزن جميل" مرتبط بالذاكرة ولحظة مفقودة. ومع صعود الصناعة والتمدّن، أصبح الحنين نزوعًا نحو الطبيعة والحياة ما قبل الصناعية. وفي سياقات الإمبراطورية، انقسم الحنين: فالمستعمَر يتوق إلى التحرّر، بينما المستعمِر يُرمسن مهمته في "التمدين".

ومع الإعلام الجماهيري والرأسمالية، وُلدت جمالية الحنين، ألواح «مود بورْد» على (Pinterest) بعنوان "سودان قديم"، شركات تستخدم أنماطًا قديمة لاسترضاء جيل بات ينظر إلى الماضي أكثر من المستقبل، مستقبل خنقته التكنولوجيا والحروب والمناخ والرأسمالية.

تفرّق سفيتلانا بويْم بين "الحنين الاستعادي" الذي يسعى لإعادة بناء الماضي، و"الحنين التأمّلي" الذي يجعل من الشوق جزءًا من الهوية. وبالنسبة للأرمن السودانيين، فالحنين تأمّلي: الوطن الأصلي في شرق تركيا لم يبقَ منه إلا القليل بعد الإبادة، وهذه الخسارة شكّلت هوية الأرمن الغربيين عبر قرن كامل.

أما بالنسبة للملايين من السودانيين في الخارج، فيبدو أنّ تحوّلًا يحدث اليوم. لسنوات كان الحنين "استعاديًا": خطط للعودة إلى السودان، احلام بحياة بسيطة. أما اليوم، ومع الحرب، فقد استسلم كثيرون لفكرة العيش في الغربة. الأمل بالعودة مرهق. وهكذا تتشكّل هوية سودانية مهاجرة جديدة، متجذرة في السودان لكنها متشكّلة خارجه. تظهر في لغة مشبعة بالثقافة العالمية، وفي "تأويل الذات" حيث يتحوّل التراث إلى جماليات للتمسّك بالانتماء، أو في محاولة النجاة من الضياع داخل مدن متعددة اللغات والثقافات.

في حياة المهاجرين، تتحوّل الذاكرة إلى "مشاريع": الحديث مع الكبار يصبح "أرشفة"، الطبخ يصبح "محتوى"، والثقافة نفسها تصبح أداءً لا ممارسة.

الأرمن يعرفون هذا جيدًا. فالحياة في الشتات منذ أكثر من قرن خلقت عالمًا من الهوية الممزّقة والحنين المركّب: حنين للوطن المفقود، وحنين لأوطان ثانية احتضنتهم، مثل السودان. ومن هذا الحنين تُبنى اللبنات الأولى لثقافة سودانية-أرمنية بصرية؛ ما يتذكّره الناس وكيف يتذكّرونه.

فن التجارة

Description: The letterhead for ‘Barsamian Motors Limited’
Location: Khartoum, Sudan
Source: sudanahye archive via private collection

عمل أغلب الأرمن في السودان في التجارة. ومع تطوّر الإدارة الاستعمارية البريطانية ظهرت الإعلانات الحديثة والخدمات الرسمية. تعكس إعلانات الشركات الأرمنية ليس فقط نوع الأعمال، بل شكل الحياة الكوزموبوليتية التي عاشوها. اعتمد البعض على تصميم أوراق رسمية (letterheads) مميزة، بخطوط مستوحاة من الأساليب "الآرت ديكو" السائدة في مصر آنذاك، نافذة الأرمن السودانيين على العالم. كانت رحلة الصيف إلى الإسكندرية مزيجًا بين التسوّق والتعرّف على آخر الصيحات.

في ما بعد، بدأت تصاميم الرسائل تميل إلى العربية، مع تغيّر البلاد بعد الاستقلال. لقد موّلت هذه الأوراق: خطابات، فواتير، برقيات، بناء مؤسسات المجتمع، النوادي، والأنشطة الجماعية. التجارة، بما حملته من جماليات، كانت في قلب الحياة التي يحنّ إليها الناس.

فضاءات الذاكرة

Description: The home of a Sudanese Armenian businessman in Khartoum
Location: Khartoum, Sudan 1977
Source: sudanahye archive via private collection

مع تراكم الثروة، استثمر الأرمن في منازل مميّزة: فلل بقرميد وأعمدة في الثلاثينيات، وشرفات حداثية في السبعينيات. وفي شهاداتنا الشفوية اكتشفنا أن منزل عائلة كازنجيان، مؤسس استديو "غوردون فوتو"، كان على شكل كاميرا!

استثمروا أيضًا في عمارة مجتمعهم: الكنيسة والمدرسة الأرمنية في الخرطوم، بُنيتا بين 1953 و1957، وأصبحتا مركزًا مجتمعيًا حيًا. يتذكّر الأرمن أبواب المدرسة، والمشاغبات داخل الفصول، والمسرحيات التي أدوها.

تحمل الكنيسة اليوم آثار الفترة التي استولى فيها عناصر من قوات الدعم السريع على المباني. أما بيوت الأرمن فقد دمّر الكثير منها خلال الحرب أو أزيل بمرور الزمن. كثير من هذه الفضاءات التي يحنّ إليها الناس لم تعد موجودة إلا في المخيلة، أماكن للشوق والذكريات المستعادة. تمثّل العمارة الأرمنية في السودان جغرافيا المجتمع وثروته وذائقته، كما أنها حافظة للذاكرة البصرية، مسرح الحنين ولحظاته.

ذاكرة فوتوغرافية

يحضر الحنين الأرمني بقوة في الإرث الفوتوغرافي للأرمن في السودان. أينما هُجّر الأرمن بعد الإبادة، حملوا معهم فن التصوير؛ فأصبحوا أسماء بارزة في القاهرة وغزة وبغداد. السودان لم يكن استثناء: كانت أستديوهات الأرمن من أهم مؤسسات التصوير. أصبح كازنجيان الوكيل الرسمي لكوداك، وكان رشيد مهدي قد استلهم التصوير بعد أن شاهد مصوّرًا أرمنيًا في الشارع. ومع هذه المكانة، حصل الأرمن مبكرًا على الكاميرات ومواد التحميض، فانتشر التصوير كهواية.

Description: ‘Gordon Photography Studio’ business card
Location: NA
Source: sudanahye archive via private collection

يظهر أثرهم في آلاف الصور التي نعثر عليها ونرقمنها اليوم، وفي بطاقات بريدية صادرة عن "ستديو كركشيان"، وفي أرشيفات بريطانية تضم صور كازنجيان للقصر.

الصور أصبحت وعاء الذاكرة: في الجلسات الشفوية، تبقى الصورة ثابتة بينما تشتعل حولها الذكريات: الأصوات، اللحظات السابقة واللاحقة. كثير من بطاقات البريد تحمل رسائل قصيرة لأقارب في الداخل والخارج، تذكّرهم بالوطن الذي غادروه.

تمنحنا الصور الأرمنية السودانية أوضح لمحة عن الحياة آنذاك: الأزياء، المساحات، التفاصيل اليومية. هي حنينٌ لعالم لم نعرفه، عالم نسمع عنه في روايات الأجداد.

بناء الثقافة البصرية السودانية-الأرمنية

Description: An email from a Sudanese Armenian
Location: NA
Source: Vahe Boghosian 2026

بينما نُقلّب هذا الحنين، لا نجد الكثير من عناصر الثقافة البصرية الأرمنية قبل الإبادة: التطريز، الأزياء، العمارة، والحرف. فقد محا التهجير كثيرًا من هذه العناصر، ونعيد اليوم اكتشافها عبر مشاريع كـ"هوشماديان". أما الهجرة من السودان فقد أصبحت -بغير قصد- وسيلة لحفظ الثقافة السودانية؛ فالذكريات والصور والمستندات التي حملها الأرمن معهم بقيت حين ضاع الكثير داخل السودان بعد 2023.

ومن خلال هذه الشذرات والمرئيات المتخيلة المصاحبة لها، نبني اليوم ثقافة بصرية سودانية-أرمنية: نفهم ما الذي ترسّخ في ذاكرة الناس، وما الذي صنع حنينهم، وما الذي يعبّر عنهم بصريًا. إنه حنين لحياة قائمة على التجارة، ولأماكن تجمع المجتمع، وللحظات محفوظة في الصور. وفي بناء هذه الثقافة نتجاوز ثبات البحث التاريخي نحو إرث حيّ قادر على إعادة تخيّل الهوية في سياقها المعاصر.

كثير من الجاليات ترى في بلد اللجوء مجرد خلفية لحياتها. لكن السودان ليس خلفية في القصة البصرية للأرمن. السودان هو المشهد، والشعب، والمكان الذي تشكّلت فيه حياة الأرمن. ورغم أنّ السرديات المعتادة للشتات تتمحور حول الحنين والمنفى والخسارة، إلا أن قصة الأرمن تكشف أيضًا كيف تُخلق ثقافات جديدة من تلاقي الهويّات، وأن الحياة الهجينة التي عاشوها هي نفسها موضع الحنين: حنين إلى أرمينيا التي كانت، وإلى السودان الذي كان، وإلى الحياة السودانية-الأرمنية.

هل تتذكّر السودان؟

لأن الأرمن السودانيين يتذكّرونه.

Stay updated:

Stay updated on our latest releases - give our social media pages a follow.

We would love to hear from you, whether it be a reflection on this post, a correction or a suggestion, send us an email at info@sudanahye.com.

Next
Next

الارمن في العصر الاستعماري بالسودان، في أمستردام ولندن